العربي الجديد

لا تقل معاناة عائلات معتقلي الاحتجاجات التي شهدتها منطقة الريف في المغرب منذ أشهر عن معاناة الناشطين المحتجزين. تتنوّع المعاناة اليومية للعائلات ما بين نفسية واجتماعية واقتصادية بانتظار انتهاء المحاكمات

تتعدّد أشكال المعاناة لدى عائلات معتقلي احتجاجات الريف من الناشطين الشباب المحتجزين في سجن عكاشة بمدينة الدار البيضاء، وغيرهم ممن حكم عليهم أيضاً في مدينة الحسيمة. وبين المعاناة الأسرية والعاطفية والنفسية واللوجستية والمعاناة الاقتصادية، يتشكّل مزيج من الآلام بدأ مع اعتقال وحبس أبنائهم وأقاربهم. حكم على بعض الناشطين بمدد مختلفة فيما ينتظر آخرون محاكمتهم، في حالة الاعتقال الاحتياطي.

تقول الناشطة الريفية نوال بن عيسى إنّ المشكلة الأولى هي المعاناة النفسية التي تتجرّعها عائلات العديد من الناشطين المعتقلين، فغياب فرد من الأسرة واحتجازه في السجن، كونه شارك في الاحتجاجات الشعبية السلمية، وانتظار الحكم عليه، له وقع نفسي قاسٍ. تتابع أنّ انتظار الأسرة الحكم الذي سينطق في حق أحد أبنائها المعتقلين منذ شهور يشبه الإمساك بجمرة: “الانتظار قاتل، وفقدان الابن أو الزوج أكثر قسوة، خصوصاً أنّ الناشطين وعائلاتهم يعتبرون أنّ المعتقلين لم يفعلوا ما يوجب العقوبة، فقد طالبوا بالعدالة الاجتماعية لا غير”.

المحلل والمعالج النفسي أنس بوزوبع يقول لـ”العربي الجديد” بدوره إنّ أكبر شرخ تعيشه عائلات المعتقلين هو الشرخ النفسي الذي يصيب أفرادها، ذلك أنّه حدث جلل يرخي بظلاله على الأسرة، مضيفاً أنّ الحالة النفسية للوالدين والأشقاء والزوجة تتأثر بشكل كبير باعتقال ذلك الفرد، ويجعلها عرضة لأمراض نفسية جراء القلق والتوتر، ما قد يؤدي إلى الإحباط والاكتئاب. يتابع بوزوبع أنّ كثيراً من أفراد عائلات معتقلي الريف يعانون من أمراض نفسية، كونهم يواجهون العديد من المشاكل المرتبطة بنظرة المجتمع المحيط إلى هؤلاء المعتقلين، خصوصاً بعد اتهامات لهم بالنزعة الانفصالية، وانتمائهم أساساً إلى منطقة جغرافية مهمشة.

ومن صور معاناة عائلات معتقلي “حراك الريف” مشكلة التنقّل لزيارة أبنائها في سجن عكاشة بالدار البيضاء، فالمسافة طويلة بين الحسيمة والدار البيضاء، تمضي فيها الأسرة نحو 12 ساعة ذهاباً و12 ساعة إياباً، فقط من أجل زيارة لا تتجاوز ساعتين.

في هذا الصدد، يقول أحمد الزفزافي، والد الناشط الريفي المعتقل ناصر الزفزافي، لـ”العربي الجديد” إنّ التنقل من الحسيمة إلى سجن عكاشة رحلة عذاب تقاسيها العائلات التي لا أقارب لها في الدار البيضاء للإيواء، وحتى لو كان لديها أقارب هناك يصعب التعويل عليهم، لأنّ المدة الزمنية لمتابعة محاكمة الناشطين طويلة. يستطرد الزفزافي أنّه في البداية كانت هناك جلسة واحدة في الأسبوع لمحاكمة ابنه ورفاقه المحتجزين خلف أسوار سجن عكاشة، غير أنّ هيئة المحكمة ارتأت تمديدها إلى جلستين في الأسبوع بالنظر إلى الحجم الكبير للملف وتشعب القضايا والمرافعات الطويلة، إلى غير ذلك من حيثيات وظروف المحاكمات الماراثونية. يتابع أنّ أسرة المعتقل باتت ملزمة بالمجيء إلى الدار البيضاء من الحسيمة، متكبدة عناء التنقل لحضور جلسة المحاكمة الأولى يوم الثلاثاء، وعليها أن تتدبر أمر المبيت لتقوم بزيارة ابنها في السجن يوم الأربعاء، ثم تعود أحياناً إلى الحسيمة في الريف، لترجع يوم الجمعة لحضور جلسة المحكمة الثانية. يقول إنّ هناك من العائلات من تجد طريقة للمكوث في الدار البيضاء منذ الثلاثاء إلى الجمعة، بين زيارة السجن وحضور المحاكمات، ثم تقفل عائدة إلى بيتها في الريف مساء الجمعة، وهناك من تتكبّد عناء التنقل أكثر من مرة في الأسبوع، قاطعة المسافة الطويلة بين الحسيمة والدار البيضاء.

مشكلة التنقل خفف من معاناتها تخصيص المجلس الوطني لحقوق الإنسان حافلة لعدد من الأسر الريفية، شرط أن يجري نقل العائلات مرة واحدة كلّ أسبوعين، وذلك في مبادرة منه للمساهمة في التخفيف من ثقل مصاريف التنقل المنهكة للعائلات.

وكان المجلس الوطني لحقوق الإنسان قد قرّر في وقت سابق وقف استعمال الحافلة من طرف الأسر، مرجعاً ذلك إلى “نقلها أشخاصاً غير معنيين بالزيارة ولا تربطهم علاقة قرابة مع المعتقلين، فضلاً عن تجاوزات أخرى”، قبل أن يتراجع المجلس، وهو جهاز حكومي، عن القرار، ويعيد الحافلة إلى متناول الأسر بشروط.

وعدا عن النظرة السلبية إلى أبناء وأشقاء المعتقلين الصغار في المدارس، فيتهمون أنّهم “لا يريدون مصلحة الوطن، وأنّ احتجاجاتهم شغب وفتنة تزعزع الاستقرار في البلاد”، بحسب ما يروي أحد أشقاء المعتقلين لـ”العربي الجديد”، تزداد آلام العائلات فتصل إلى المعاناة المعيشية المريرة، جراء غياب عدد من معيليها وراء أسوار السجن، في ظلّ أوضاع اقتصادية قاسية.